أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

159

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

أي : إلى الأعلام . والجنّة : البستان ، وقيل : الأرض ذات الشجر ، سمّيت بذلك لسترها من فيها ، ومنه : الجنين لاستتاره ، والمجنّ : الترس ، وكذلك « الجنّة » لأنه يستر صاحبه ، والجنّة لاستتارهم عن أعين الناس . قوله : تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ هذه الجملة في محلّ نصب لأنها صفة لجنّات ، و « تجري » مرفوع لتجرّده من الناصب والجازم ، وعلامة رفعه ضمة مقدرة في الياء استثقالا ، وكذلك تقدّر في كلّ فعل معتل نحو : يدعو ويخشى إلّا أنّها في الألف تقدّر تعذّرا . والأنهار جمع نهر بالفتح ، وهي اللغة العالية ، وفيه تسكين الهاء ، ولكن « أفعال » لا ينقاس في فعل الساكن العين بل يحفظ نحو : أفراخ وأزناد وأفراد . والنهر دون البحر وفوق الجدول ، وهل هو مجرى الماء أو الماء الجاري نفسه ؟ والأول أظهر ، لأنه مشتقّ من نهرت أي : وسّعت ، قال قيس بن الخطيم يصف طعنة : 296 - ملكت بها كفّي فأنهرت فتقها « 1 » * . . . أي وسّعت ، ومنه : النهار لاتساع ضوئه ، وإنّما أطلق على الماء مجازا إطلاقا للمحلّ على الحالّ . و مِنْ تَحْتِهَا متعلق بتجري ، و « تحت » مكان لا يتصرّف ، وهو نقيض « فوق » ، إذا أضيفا أعربا ، وإذا قطعا بنيا على الضم . و « من » لابتداء الغاية وقيل : زائدة ، وقيل : بمعنى في ، وهما ضعيفان . واعلم أنه إذا قيل بأنّ الجنّة هي الأرض ذات الشجر فلا بدّ من حذف مضاف ، أي : من تحت عذقها أو أشجارها . وإن قيل بأنها الشجر نفسه فلا حاجة إلى ذلك . وإذا قيل بأنّ الأنهار اسم للماء الجاري فنسبة الجري إليه حقيقة . وإن قيل بأنه اسم للأخدود الذي يجري فيه فنسبة الجري إليه مجاز كقول مهلهل : 297 - نبّئت أنّ النار بعدك أوقدت * واستبّ بعدك يا كليب المجلس « 2 » قال الشيخ « 3 » : « وقد ناقض ابن عطية كلامه هنا فإنه قال : « والأنهار : المياه في مجاريها المتطاولة الواسعة » ثم قال : « نسب الجري إلى النهر ، وإنما يجري الماء وحده توسّعا وتجوّزا ، كما قال تعالى : وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ « 4 » ، وكما قال : نبّئت أنّ النار . البيت » . والألف واللام في « الأنهار » للجنس ، وقيل : للعهد لذكرها في سورة القتال . وقال الزمخشري : « يجوز أن تكون عوضا من الضمير كقوله : وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً « 5 » أي : أنهارها » ، بمعنى أنّ الأصل : واشتعل رأسي ، فعوّض « أل » عن ياء المتكلم ، وهذا ليس مذهب البصريين ، بل قال به بعض الكوفيين ، وهو مردود بأنه لو كانت

--> - وكريمة من آل قيس ألفته * . . . . انظر الهمع ( 2 / 36 ) ، شرح ابن عقيل ( 2 / 40 ) ، الدرر ( 2 / 37 ) ، الأشموني ( 2 / 234 ) ، اللسان ( ألف ) . الشاهد قوله : ( فارتقى الأعلام ) حيث حذف حرف الجر وبقي عمله وهذا شاذ لا يقاس عليه . ( 1 ) تقدم وهو في ديوان قيس . ( 2 ) البيت في أمالي القالي ( 1 / 95 ) ، مجالس ثعلب ( 1 / 37 ) ، القرطبي ( 1 / 239 ) . ( 3 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 113 ) . ( 4 ) سورة يوسف ، آية ( 82 ) . ( 5 ) سورة مريم ، آية ( 4 ) .